سياسةمقالات

خاشقجى .. صحفى سلطة دفع نتيجة تمرده

لا شك أن علاقة الصحافة بالسلطه هى من أشد العلاقات غموضا وإثاره منذ ظهورالصحافه إلى الوجود ، فلقد تربت الصحافه فى حضن السلطه منذ النشأة حتى ظهرت بواكير تمرد الصحافه ضد السلطه والتى سرعان ما تحول تمردها إلى معارضه قويه ثم إلى مشاركه فى صنع الرأى العام وصولا إلى المشاركه فى صنع القرار السياسى أى مشاركة السلطه فى الحكم بطريقة غير مباشرة وهنا إكتسبت الصحافه لقب ” السلطه الرابعه ” عن جدارة وإستحقاق .

ولكن مساحة الغموض فى كل مراحل العلاقة بين السلطه والصحافه كانت تزداد على الرغم من إزدياد مساحة الشفافيه ، ولعل أكثر المناطق غموضا فى تلك العلاقه ، هى علاقه الصحفى بدوائر السلطه وصنع القرار والتى أشار إليها الكاتب الصحفى الكبير الراحل ” محمد حسنين هيكل ” بطريقه مباشره وغامضه فى نفس الوقت عندما أشار إلى نصيحه تلقاها من أستاذه الكاتب الكبير ” محمد التابعى ” مفادها ” أنه إذا كان عليك أن تجد طريقك إلى القمه فالسياسه تصنع فى القصور” فى إشاره إلى دوائر صنع القرار ومن أراد أن يصبح صحافيا كبيرا فعليه بالإلتصاق بالسلطه التى توفر لمن ترضى عنه المعلومات اللازمه والحقيقه التى تساعده على فهم الحقيقه ناهيك عن الوجاهه الإجتماعيه والتمايز الطبقى عن باقى زملاء المهنه .

ولكن هل تلك العلاقه أبديه وشهر عسل دائم بين صحفى السلطه ودوائر صنع القرار والسياده ؟

إنها علاقة الإتجاه الواحد لا تقبل القسمه على إثنين فالسلطه فيها هى الحاكمه وهى من تأمر وهى من تقرر إنهاء العلاقه أو إستمرارها وذلك فى حالات تغير طبيعة الحكم أو تغييرالنظام القديم بآخر جديد هنا تنظر السلطه الجديده أنها محتاجه إلى أسماء جديده ، وخير مثال على ذلك الكاتب الكبير ” محمد حسنين هيكل ” الذى إلتصق بالسلطه قبل ثورة يوليو 1952 ولكنه إستطاع ببراعة الإلتصاق بقمة هرم سلطة يوليو ” الرئيس عبدالناصر ” حتى تغيرت طبيعة نظام يوليو وهنا حصلت المخاصمه وأخرجه الرئيس السادات من جنة السلطه

ولكن هناك حالات مخاصمه تتم بين الصحفى الملتصق بالسلطه والنظام السياسى ، وهى التى يقرر فيها الصحفى نفسه إنهاء العلاقه ، ولكن أهم حالات المخاصمه صخبا هى عندما يقرر فجأة أن ينتقل من صحفى سلطه إلى صحفى معارض هنا تأخذ العلاقه بين السلطه وصحفيها المدلل  صفة الخشونه والغلظه والمطاردة وأبرز مثال لتلك العلاقه ، هى حادثة إختفاء الصحفى السعودى ” جمال خاشقجى ” من داخل القنصليه السعوديه ، والتى تواترت الأنباء مؤخرا تنبأنا بخبر موته أو بمعنى صحيح ” تصفيته ” تحت دعاوى معارضته للنظام الملكى الجديد فى بلاده .

” خاشقجى ” صحفى سلطه بإمتياز وهذا ليس إستنتاجا بل هناك صديق مقرب له وهو الصحفى الشهير ” ديفيد هيرست ” لخص طبيعته قائلا  ” إعتبر نفسه ملكيا ، إبنا للمؤسسه ، وصحافيا مخضرما فى السياسه الخارجيه ، وكان لأمد طويل داخل دائرة الديوان الملكى التى يكتنفها الغموض وسافر معهم فى مناسبات سابقه ”

لقد كوفئ ” خاشقجى ” كثيرا على مواقفه المؤيده للنظام الملكى السعودى وتولى رئاسة تحرير العديد من الجرائد ، بل أصبح صوت النظام وهو المعبر عن نبض السلطه فى الشارع السياسى ، ولكن ماذا حدث ؟ ماهى نقطة المفاصله التى قرر عندها خاشقجى أن يتمرد على سلطة إحتضنته وتربى بين دوائر صنع قرارها ؟ هل هى عدم قدرته على تحمل أن يرى نفسه خارج دائرة صنع القرار مع تولى ولى العهد السعودى ” محمد بن سلمان ” الذى أتى برجاله معه ؟ أم إنضمامه إلى دوائر ملكيه معارضه لتولى ولى العهد مقاليد السلطه من داخل الأسره الحاكمه ؟

تتعدد الأسئله ! وتتداخل المواقف المحليه والدوليه فى قضية الإختفاء المثير والمصير الغامض لخاشقجى ، لكن كل هذا لم يسلط الضوء على العلاقه بين صحفى سلطه والنظام السياسى فى بلد يتمنى معظم صحفييها الإلتصاق بها .

لكن كل ما أستطيع قوله أن ” جمال خاشقجى ” يدفع أو دفع ثمن تمرده على سلطه إلتصق بها بمحض إرادته ، ولكنه خرج عن قواعد التعامل التاريخيه التى تحدد العلاقه الغامضه بين صحفى السلطه والسلطه ذاتها وأراد أن يتقمص دور المعارض العتيد ولكنه نسى أن ما عرفه من أسرار هو غير قابل للتدوال وهنا يصبح شبح تراقصه على حبل المشنقه هو ما يؤرق منامه كل يوم يحيا فيه.

إذا تأكد موت أو تصفية ” جمال خاشقجى ”  فهذا سيكون رساله قويه وعنيفة هناك من سترتعد فرائصه حتى أنه لن ينام حتى يأتيه من يهمس فى أذنيه ” دورك لم يحن بعد !! “

ياسر رافع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: