سياسةغير مصنفمقالات

أزمة الإسلام السياسي اليوم

جملة من النتائج والخلاصات الرئيسة بخصوص الحركات الإسلامية يمكن الخروج بها من أوراق الجلسة النقاشية “تحولات الحركات الإسلامية في العالم العربي”، التي نظّمها، أول من أمس الأحد، معهد الدوحة للدراسات العليا – برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتوفر على قراءات متعدّدة ومتنوعة لباحثين عرب، متخصصين في الحركات الإسلامية، ما يشمل تجارب عربية متباينة (مصر، الأردن، المغرب، تونس، ليبيا، سورية، الكويت، اليمن..).
الملاحظة الرئيسة أنّ الخطاب الأيديولوجي لهذه الحركات متغيّر تابع، بينما المتغير المستقل أو العامل المؤّثر هي الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالنظام السياسي (ملكياً أو جمهورياً، منفتحاً أو مغلقاً) والقوى المختلفة وحالة الدولة (استبداد، تحوّل ديمقراطي أو حرب أهلية)، وحتى الوضع الاقتصادي، فيما إذا كان جيداً أو ريعياً (كحالة الخليج)، أو سيئاً (كحالة أغلب الدول العربية) هذه العوامل الموضوعية هي التي تضع الإطار الذي يحكم سلوك الحركات الإسلامية وأفكارها، ويدفع بها نحو هذا الاتجاه الفكري أو ذاك.
الملاحظة الثانية أنّ دور العامل الخارجي (السياقات الدولية والإقليمية) أصبح أكثر تأثيراً منذ الربيع العربي، فقد كان للتحوّلات التي حدثت في السياسة الأميركية من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى الحالي دونالد ترامب تأثير واضح وكبير على علاقة الحركات الإسلامية بالأنظمة، كما أن السياسات الإقليمية، بخاصة بعد العام 2013، أصبحت تؤدي دوراً حيوياً وفاعلاً في التأثير على الحركات الإسلامية وأدوارها السياسية، بخاصة مع بروز ثلاثة محاور في المنطقة؛ المحافظ المعادي للإسلاميين، والتركي- القطري الذي اعتُبر داعماً لديناميكيات الربيع العربي، والثالث الإيراني المؤثر بصورة كبيرة على الإسلام السياسي الشيعي، وعلى الأمن الإقليمي وفي الحياة الداخلية في دول كثيرة، وبالتالي أصبحت الحركات الإسلامية جزءاً من هذا الاستقطاب الكبير.
الملاحظة الثالثة أنّ الحركات الإسلامية جميعاً في أزمات بنيوية، وجدت نفسها في أتون حرب أهلية (سورية، العراق واليمن وليبيا)، وكانت جزءاً من عملية التحول الديمقراطي الناجحة (تونس ومصر)، أو التي أقصيت عن السلطة وتمّ حظرها (مصر)، أو التي تراوح مكانها (الأردن والكويت).
وعلى الرغم من أنّ لكل دولة خصوصيتها وتأثيرها على حالة الحركات الإسلامية فيها، إلا أنّ هنالك ما يتجاوز الأنظمة إلى بنية الحركات نفسها، سواء أيديولوجياً أو تنظيمياً أو سياسياً، فهي وصلت اليوم إلى مرحلةٍ تتطلب تغييرات جوهرية، لتكون قادرة على عبور هذه اللحظة، وتستدعي مراجعاتٍ أكثر عمقاً في الخيارات الأيديولوجية والسياسية والبنية التنظيمية، وجميعها ربما كانت تصلح لمرحلة سابقة، لكنّها مع عصر الشبكيات، ومع التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أصبحت عائقاً وكابحاً يمنع هذه الحركات من الانتقال والمرور إلى مرحلة جديدة من تكوينها على المستويات السابقة المختلفة.
صحيحٌ أنّ وضع الحركات الإسلامية في المغرب العربي يبدو أفضل حالاً وأكثر نجاحاً (أيديولوجيا وسياسياً)، إلاّ أنّها تواجه مشكلات كبيرة وتحديات حقيقية؛ كما أشارت أوراق المغرب وتونس في الجلسات النقاشية، ولا يبدو التحدي التنظيمي بسيطاً، مع استمرار الخلافات في أروقة هذه الحركات بشأن التحولات الأيديولوجية المطلوبة، والعلاقة مع النظام أو القوى السياسية الأخرى، وقد أشار محمد مصباح في ورقته عن حزب العدالة والتنمية المغربي إلى حجم الكلفة الكبيرة تنظيمياً التي يدفعها الحزب اليوم.
يبدو أنّ العربة التي يمكن أن تنقل الإسلاميين (ضمن دول فيها عملية تحول ديمقراطي وتغيير سياسي سلمي، أو على الأقل تقبل بالمشاركة السياسية لهذه الحركات) تتكون من أربعة دواليب؛ البراغماتية السياسية، الفصل الكبير بين الدعوي والسياسي، العمل الحزبي المحترف، تمكين جيل الشباب فيها.
أمّا في الدول التي تواجه تحديات الحروب الأهلية، والصراعات الداخلية، والإقصاء الحاد للإسلاميين؛ فتبدو المعادلة أكثر تعقيداً، وتتطلب شروطاً مرتبطةً بوضع الدولة نفسها وقوة الحركة فيها وطبيعة السياسات الدولية والإقليمية والمحلية الحاكمة لتلك اللعبة، لكن من المهم أن ندرك تماماً أنّ دور الحركات الإسلامية فيها يقوم على أن تكون جزءاً من مشروع السلم الأهلي للصراع الداخلي الطائفي، وأن تقدّم خطاباً حضارياً وإنسانياً لا حركياً للاقتتال الداخلي واستباحة الآخرين، وأن تنأى بنفسها عن توظيف العواطف الدينية والطائفية لمصالح أجندات متعددة.
لا يبدو وضع الحركات الإسلامية في الدول العربية كافّة اليوم أفضل حالاً من العقود الماضية، وهو أمر طبيعي، اولاً لأنّها جزء من السياق المحيط، وثانياً لأنّ بنياتها الرئيسة تقدّمت، وتتطلب مراجعات وتجديدا كبيرا.

محمد أبو رمان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: