اهم الاخبارمقالات

من ناصر السعيد إلى جمال خاشقجي

في يوم شتوي من عام 1979، كنت في مقر عملي في مجلة الهدف في بيروت. كانت هناك جلبة لافتة، تبدو لمؤتمر صحافي. ولم يكن ذلك غريباً ولا لافتاً بالنسبة لنا. فقد كان العديد من هذه المؤتمرات يُعقد في “الهدف”، المجلة الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لأن رئيس تحريرها، الرفيق بسام أبو شريف، كان أيضاً الناطق الرسمي باسم الجبهة، والمتحدّث مع الصحافة العربية والأجنبية. ولعل هذه اللقاءات الصحافية في “الهدف” استمرار لتقليد أرساه مؤسّسها غسان كنفاني الذي كان على علاقةٍ طيبةٍ مع منابر صحافية غربية عديدة، الاسكندنافية تحديداً.

فعلاً كان هناك مؤتمر صحافي تحضره مؤسسات إعلامية عربية وغربية أكثر من المعتاد. لم يكن الموضوع يخصّ الجبهة الشعبية أو القضية الفلسطينية، بل أبعد ما يكون عنهما. كان المتحدّث الرئيسي في المؤتمر الصحافي يتلثم بشماغ (كوفية) حمراء. شخصٌ ليس بكوفية فلسطينية (ذات اللونين الأبيض والأسود) بل حمراء. ملثم. عيناه فقط تتحرّكان وتمسحان المكان المكتظ بالكاميرات وآلات التسجيل والأقلام والأسئلة بلغات عديدة.

كان المؤتمر الصحافي للمناضل السعودي المنسي، تقريباً، ناصر السعيد، وكان الموضوع: هجوم جهيمان العتيبي على الحرم، في سابقةٍ تستعيد من التاريخ هجوم القرامطة قبل نحو ألف عام.. ما دخلُ ناصر السعيد، المناضل العمالي والقومي، بهجوم مجموعةٍ أصوليةٍ متطرفةٍ دينياً على الحرم المكي، وقتل عدد كبير من الناس، كما فعل القرامطة تقريباً؟

لا أظن أنه كان على علاقة بهجوم الحرم.. بل يستحيل أن تكون هناك علاقة بينه وجهيمان العتبي. لا شيء يربط بينهما سوى كراهية حكم آل سعود. كان غريبا تبنّي ناصر السعيد، المناضل القومي والعمالي، هجوم مجموعةٍ دينيةٍ غامضةٍ على الحرم. هنا كانت غلطة ناصر السعيد التي أدّت إلى اختطافه ومقتله بالتالي.

لا أعرف كيف خرج ناصر السعيد من مبنى “الهدف” في اتجاه منطقة الحمرا التي كان ينزل في أحد فنادقها. لكن المؤكد أنه سلك “كورنيش المزرعة”، الشارع الذي تقع فيه “الهدف”، مارّاً، بالضرورة، بالقرب من المركز الثقافي السوفييتي الذي يقع بالقرب منه حاجزٌ للأمن العسكري التابع لحركة فتح بقيادة أبو الزعيم، الشخصية الأمنية الفلسطينية المقرّبة جدا من النظم العربية الرجعية، خصوصا السعودية. الرواية شبه المؤكّدة أن ناصر السعيد أوقِف على ذلك الحاجز، وتم اختطافه لصالح السفير السعودي، شديد النفوذ وقتها، الجنرال علي الشاعر. لم يظهر ناصر السعيد بعد تلك الرحلة على طريق كورنيش المزرعة قط.

خضّ الحادث الساحة الفلسطينية، وتبودلت الاتهامات بمن هو المسؤول عما حدث؟ من باع ناصر السعيد للسعودية؟ تلبّس التهمة، براحةٍ، أبو الزعيم. ولم تُظهر أربعون سنة على اختطاف ناصر السعيد، حقيقة ما حدث. لم يُعرف مصيره. هل قُتل في بيروت عندما سُلِّم للسفير الشاعر، أم نُقل إلى السعودية لمزيد من “التحقيقات”، وقُتل هناك؟

أخشى أن يكون مصير الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، مماثلا لمصير ناصر السعيد، على الرغم من تباعد الشخصيتين في كل شيء تقريباً، وخصوصاً، في العلاقة مع آل سعود. فليس لدى خاشقجي عداء لنظام آل سعود، بل كان جزءا من آلة هذا النظام إعلاميا، وربما غير ذلك. ناصر السعيد تبنى جهيمان العتيبي (أسامة بن لادن زمانه)، وخروجه الدموي على آل سعود فيما لم يوجّه خاشقجي سوى “النصح” الناعم لحكام المملكة الجدد. ولكن من هو خاشقجي ليوجّه نصحاً لآلهة الغطرسة وركوب الرأس على نحو بدويٍّ يفتقر إلى الكرامة البدوية، كما رأيناه في طأطأة الرأس أمام الإهانات اليومية التي يلطمهم بها ترامب؟ من هو خاشقجي ليفعل ذلك؟ كان النظام السعودي يخرج عن “طوره” في المصائب الكبرى فقط (كهجوم الحرم). كان يلتزم سياسة كظم الغيظ، ويمشي الحيط الحيط، لكنه ليس كذلك مع محمد بن سلمان الذي بدّد كل الآمال (السعودية الداخلية) التي عُقدت عليه، وانقلب، بسرعة، على كل ما وعد به، أو ما أوحى به، لشرائح عديدة من المجتمع السعودي. هذه “خطيئة” خاشقجي: لم يعرف “حجمه” ويلزمه!

أمجد ناصر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: